المقريزي

951

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وساروا إلى الشّرق كما فعل آباؤهم أوّلا ، وأخذوا معهم نسخا من « المشنا » التي كتبت للملوك من « مشنا » موسى التي بخطّه ، وعملوا بما فيها ببلاد الشّرق من حين خرجوا من القدس إلى أن جاء اللّه بدين الإسلام ، وقدم عانان رأس الجالوت من المشرق إلى العراق ، في خلافة أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور ، سنة ستّ وثلاثين ومائة من سني الهجرة المحمّديّة « 1 » . وأمّا الذين أقاموا بالقدس من بني إسرائيل بعد خروج من ذكرنا إلى الشّرق من آل داود فإنّهم لم يزالوا في افتراق واختلاف في دينهم إلى أن غزاهم طيطش ، وخرّب القدس الخراب الثّاني - بعد قتل يحيى بن زكريا ، ورفع المسيح عيسى بن مريم - عليهما السّلام - وسبى جميع من فيه وفي بلاد بني إسرائيل بأسرهم ، وغيّب نسخ « المشنا » التي كانت عندهم ، بحيث لم يبق معهم من كتب الشّريعة سوى التّوراة وكتب الأنبياء . وتفرّق بنو إسرائيل من وقت تخريب طيطش بيت المقدس في أقطار الأرض ، وصاروا ذمّة إلى يومنا هذا . ثم إنّ رجلين ممّن تأخّر إلى قبيل تخريب القدس - يقال لهما شماي وهلال - نزلا مدينة طبريّة ، وكتبا كتابا سمّياه « مشنا » باسم مشنا موسى - عليه السّلام - وضمّنا هذا « المشنا » الذي وضعاه أحكام الشّريعة ، ووافقهما على وضع ذلك عدّة من اليهود . وكان شماي وهلال في زمن واحد ، وكانا في أواخر مدّة تخريب البيت الثّاني ، وكان لهلال ثمانون تلميذا أصغرهم يوحانان بن زكاي ، وأدرك يوحانان بن زكاي خراب البيت الثّاني على يد طيطش . وهلال وشماي أقوالهما مذكورة في « المشنا » ، وهي في ستة أسفار تشتمل على فقه التّوراة ، وإنّما رتّبها النوسي ، من ولد داود النبي ، بعد تخريب طيطش للقدس بمائة وخمسين سنة . ومات شماي وهلال ولم يكملا المشنا ، فأكمله رجل منهم يعرف بيهوذا من ذرّيّة هلال ، وحمل اليهود على العمل بما في هذا « المشنا » ، وحقيقته أنّه يتضمّن كثيرا ممّا كان في مشنا النبي موسى - عليه السّلام - وكثيرا من آراء أكابرهم . فلمّا كان بعد وضع هذا « المشنا » بنحو خمسين سنة ، قام طائفة من اليهود يقال لهم « السّنهذرين » « a » - ومعنى ذلك : الأكابر - وتصرّفوا في

--> ( a ) بولاق : السنهدوين . ( 1 ) انظر فيما يلي 952 ، 955 .